ابن كثير
255
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم وقلنا لهم : أفيكم ربنا ؟ فيقولون : لا وهو آت ، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ، وبمثلي من فيها من الجن والإنس ، حتى إذا دنوا من الأرض ، أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم . وقلنا لهم : أفيكم ربنا ؟ فيقولون : لا . وهو آت ، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف ، حتى ينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة ، فيحمل عرشه يومئذ ، ثمانية - وهم اليوم أربعة - أقدامهم في تخوم الأرض السفلى ، والأرض والسماوات إلى حجزهم « 1 » ، والعرش على مناكبهم ، ولهم زجل في تسبيحهم يقولون : سبحان ذي العرش والجبروت ، وسبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، سبحان الذي يميت الخلائق ، ولا يموت ، سبوح قدوس قدوس قدوس ، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح ، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت ، فيضع اللّه كرسيه حيث يشاء من أرضه ثم يهتف بصوته فيقول : يا معشر الجن والإنس ، إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا ، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم ، فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، ثم يأمر اللّه جهنم . فيخرج منها عنق ساطع ، ثم يقول أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أو - بها تكذبون - شك أبو عاصم ، وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [ يس : 60 - 64 ] فيميّز اللّه الناس وتجثو الأمم . يقول اللّه تعالى : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجاثية : 28 ] فيقضي اللّه عز وجل بين خلقه إلا الثقلين الجن والإنس ، فيقضي بين الوحوش والبهائم ، حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن ، فإذا فرغ من ذلك ، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى ، قال اللّه لها : كوني ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] ثم يقضي اللّه بين العباد ، فكان أول ما يقضي فيه الدماء ، ويأتي كل قتيل في سبيل اللّه ، ويأمر اللّه عز وجل كل من قتل ، فيحمل رأسه تشخب أوداجه ، فيقول : يا رب فيم قتلني هذا ؟ فيقول - وهو أعلم - فيم قتلتهم ؟ فيقول : قتلتهم لتكون العزة لك ، فيقول اللّه له : صدقت فيجعل اللّه وجهه مثل نور الشمس ، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة ، ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه ، فيقول : يا رب فيم قتلني هذا ؟ فيقول - وهو أعلم - لم قتلتهم ؟ فيقول : يا رب قتلتهم لتكون العزة لي ، فيقول : تعست ، ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها ، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها ، وكان في مشيئة اللّه إن شاء عذبه وإن شاء رحمه ، ثم يقضي اللّه تعالى بين من بقي من خلفه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها اللّه للمظلوم من الظالم ، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء ،
--> ( 1 ) الحجز : معقد الإزار .